السودان – “الفضاء نيوز”: مقالات الرأي: *فيما أرى* *عادل الباز* *اسطوانة “المحفظة الاستراتيجية” (1)*
السودان – “الفضاء نيوز”:
مقالات الرأي: *فيما أرى*
*عادل الباز*
*اسطوانة “المحفظة الاستراتيجية” (1)*
1
سارعتُ بكتابة هذا المقال لأن صديقي الدكتور مزمل أبو القاسم أعاد تشغيل “اسطوانة المحفظة الاستراتيجية”. وحين تُذاع مثل هذه الاسطوانة عبر قلم مؤثر في الرأي العام كقلم د. مزمل، فلا بد من السعي السريع لإيقاف زر التشغيل.
لا أقول إنها مشروخة ومن زمن ديمتري البازار “دفعة مزمل”، ولكن لأننا خبرناها وجربناها أكثر من مرة، فزادتنا وبالاً كما سنرى. ولا أقول إنها فاسدة وكاسدة كلياً، ولكنها الآن لا يمكن أن تمثل مخرجاً لأزمتنا وسط هذه “الهيصة” التي تضرب قطاع المعادن والطاقة على حد سواء.
2
المحافظ هي آلية قديمة استُخدمت في الاقتصاد السوداني منذ السبعينيات، واستمرت عبر عهود مختلفة. هي آلية تستقطب أموالاً من مصادر متعددة لتنفيذ غرض محدد، ثم تنتهي بإنجازه. على سبيل المثال، كانت تُستخدم في سلع الصادر مثل الصمغ العربي والسمسم والفول.
حديثاً، عادت فكرة “محفظة السلع الاستراتيجية” بعد التغيير في 2019، وتحديداً في عام 2020، وأخيراً في 2024. هدفت جميعها إلى استيراد السلع الاستراتيجية (الدواء، الدقيق، البترول ومشتقاته… إلخ). وفي كل الحالات، لم تؤدِّ إلى الغرض الذي أُسست من أجله إلا لفترات محدودة، ثم أفرزت نتائج كارثية كما سنوضح لاحقاً.
3
بعد التغيير في 2019، وتحديداً في 22 يونيو 2020، عادت فكرة المحفظة مجدداً، وحُشد لها عشرات الشركات إضافة إلى 27 بنكاً. كان يُتوقع أن يبلغ رأسمالها 400 مليون دولار، لكن ما تم تحصيله من كل البنوك والشركات لم يتجاوز 90 مليون دولار فقط.
تقول دراسة صادرة عن رئيس اللجنة التنفيذية لصندوق السلع الاستراتيجية آنذاك، عبد اللطيف عثمان: “إن شركة الجنيد -وهي شركة خاصة مملوكة لآل دقلو- دفعت مساهمة رأسمالية قدرها 811 كيلو ذهب، بما يعادل 5.8 مليار و800 مليون جنيه سوداني آنذاك، وهذا المبلغ يشكل حوالي 41% من مجموع المساهمات الرأسمالية للمحفظة والبالغة 14.15 مليار جنيه سوداني (حوالي 90 مليون دولار)”.
رفض وزير المالية حينها، إبراهيم البدوي، المساهمة في المحفظة، وقال إنها تتعارض مع سياسات السوق الحر التي يؤمن بها. بل رفض حتى دفع مبلغ 43 مليون دولار قيمة “فيرنس” للحكومة، وهو مبلغ لا يزال معلقاً في رقبة وزارة المالية. كما رفض بنك السودان الدخول في المحفظة بأي صيغة.
هكذا حملت الفكرة في طياتها أسباب فنائها منذ البداية. ورغم ذلك، حققت بعض الاستقرار في سعر الصرف لأنها احتكرت صادر الذهب، فوفرت موارد عملة صعبة، وأوقفت الشراء من السوق الموازي.
ما هي النتائج التي أفرزتها المحفظة في 2022؟
في يناير 2023، أي بعد مرور ستة أشهر فقط، قامت شركة الجنيد بسحب مشاركتها الرأسمالية في المحفظة والبالغة حوالي 43 مليون دولار أمريكي، وذلك قبل انتهاء أجل المحفظة المثقلة بالالتزامات المالية.
ثم لم يلبث عبد الرحيم دقلو، مدير شركة الجنيد، أن طالب بتسديد ما تبقى من المساهمة بطريقة درامية. حيث أجبر مدير بنك البركة -الرشيد عبد الرحمن، صاحب فكرة محفظة السلع- تحت تهديد السلاح (بوضع مسدس عبد الرحيم دقلو على رأسه مباشرة) على تسديد ما تبقى من رأس مال شركة الجنيد في المحفظة. ولم يكن أمام مدير البنك، وهو تحت تهديد السلاح، إلا أن يدفع فوراً المبلغ المطلوب.
هكذا توقفت المحفظة بتلك الصورة الدرامية، وتسببت في عجز بلغ 512 مليون درهم إماراتي، ساهم في تدمير بنك النيلين (فرع أبوظبي، والرئاسة في الخرطوم التي يرزح الآن تحت مديونيات تريليونية وكاد أن يُغلق)، إضافة إلى مديونيات خرافية خلفتها المحفظة في أكثر من 18 بنكاً، ولا تزال تلك المديونيات معلقة.
5
هذه هي الصورة الموجزة لتجربة محفظة 2020-2023. في الجزء القادم سنتناول تجربة المحفظة في 2024، ونناقش ما إذا كانت الظروف قد تغيرت فعلاً أم أننا بصدد إعادة إنتاج الاسطوانة المشروخة لنحصد ذات النتائج الكارثية.؟. نواصل
